هل قتل معاوية الصَّحابيَّ حُجْرَ بنَ عَدِي ؟

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ المرسلينَ نبيِّنا محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابِه أجمعينَ ,أمَّا بعدُ :

فإنَّ أعداءَ الدِّينِ يَسلُكونَ طُرُقًا كثيرةً قذِرَة، وأساليبَ متنوعةً فاجِرَة فِي مُحاربتِه ومحاولةِ طمسِه والقضاءِ عليه، ومن أشهرِ طرقهِم وأسهلِها –عندهم- الطَّعنُ في رموزِه ونقلتِه، فإنَّ الطعنَ فيهِم يقتضِي الطَّعنَ في جميعِ ما نقلُوه وقالُوه، إضافةً إلى ما يحملُه هذا الطَّعنُ من تشويهٍ لأعلامِ المسلمين وخيرتِهم .

ولا بدَّ أن يُعلم أنَّ الطَّعنَ فِي المسلمين عموما-بغير الحقِّ- جرمٌ عظيم، ومنكرٌ كبير، ويعظُم هذا المُنكر ويقبُح كلَّما عظُمتْ مرتبةُ المَطعونِ وارتفعَتْ، لذلك كان الطَّعنُ في الصّحابةِ من أعظمِ الطُّعونِ وأفحشِها، وأسوئِها عند الله وأقبحِها، كيفَ وربُّنا -سبحانَه وتعالَى- يقول في الْحَديثِ القُدسي: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ،…))[البخاري(6502)], والصحابة-رضوان الله عليهم- خِيرَةُ الأولياء، وصفْوةُ الأصفياء .

ومن الصَّحابة الذين كثُر فيهم طعنُ الطَّاعنين، وظهر فيهم كَلَبُ الجاهلين: كاتبُ وحي النَّبي الكريم-صلَّى الله عليه وسلَّم- معاويةُ بنُ أبي سفيان-رضي الله عنه- فإنَّه لا تزال رماح الغَدر والفُجور تنهال عليه لَيْلَ نَهَار، سواء من الْمُستشرقين الذِين أظهَرُوا الكُفْرَ ولم يُخْفُوه، أو من الرَّوافض الْخُبثَاء الذين يتكَلَّمُونَ باسمِ الدِّينِ وهو منهم برِيء.

ولئن كان الطَّعن من هذين الصِّنفَيْنِ أمرٌ مألوفٌ معرُوف، فإنَّ الذي يحزُّ في النَّفس أن ترى بعضَ المستغفَلِين من الْمُسلمين بقول الطاعنين يقولُون، وعلى خُطَاهم يسيرُون، وهؤلاء لُبِّس عليهم الْحَقُّ فما عرفُوه، وزُيِّن لهم الباطل فرأوه حسَنًا واتَّبعُوه. والله المستعان.

ولقد تنوَّعت الطُّعون في هذا الصَّحابي الكريم وتعدّدت- وهذا يدلُّ على مِقْدَار الْحِقد الذي يكنُّه بل ويظهرُه هؤلاء لأسيادهم الفضلاء- فمرةً يضعُون الأحاديثَ على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم بأنَّه قد لعنه، وأمر بقتله، أو بأنَّه يموت على غير السُّنَّة، وغير هذا، وتارة يضعون الآثار عليه بأنَّه قرَّب الأشرار، أو قتل فلانا وفلانا من الصَّحابة والأخيار.

ومن التُّهم والشُّبه التي أردت -من خلال هذا الجمع- كشفَها وبيانَ وجه الحقِّ فيها :

اتهامُ الصحابي الكريم معاوية بن أبي سفيان بأنَّه :

1. قتَلَ الصَّحابيَّ حُجْرَ بنَ عَدِي.

2. بسَبَبِ تشيُّعِه وولائِه لعلي بن أبي طالب ليس غيرُ.

3. مع أنَّ النَّبي-صلَّى الله عليه وسلَّم- قد شهِد – في زعمهم – لِحُجْر بنِ عدي ومن قُتِل معه بالْخَيْرِ وبظلمِ قاتِلِهم.

4. وإنكارُ الصَّحابة على معاوية-رضي الله عن الصَّحابة أجمعين-، وبكاؤُهم على فقد حُجْر بن عدي.

وسيكون الردُّ على هذه الشُّبهة -بإذن الله- من خلال التَّعرض للمسائل الأربع المذكورة بالتَّرتيب، وقبل الشروع في المقصود لا بدَّ من التَّذكير بأمرين:

الأول: أنَّ سبَبَ كتابتِي في هذه الجزئية بالذَّات هو طلبُ أحدِ إخواني الأعزّاء مني ذلك لحسن ظنِّه بي -غفر الله لي وله- وما كنت لأردَّ له طلبا خاصَّةً في مثل هذه الْمَواضيع التي أتشرَّف بالكتابة فيها.

والثاني: أنَّ هناك من طلبة العلم من أجاب على هذه الشُّبهة، فلذلك الأجوبة في الْمُجمل لن تخرج عمَّا ذكروه، ولكن الاختلاف سيكون في الأسلوب، وطريقة العرض والطَّرح، فلهذا أنا لست أدعي أنِّي لم أسبق إلى هذا، وإنَّما أرجو أن يكتب الله لنا الأجر جميعا. و الله الموفق.

الردُّ على الشُّبهة الأُولى

قتل معاوية بن أبي سفيان للصَّحابي حُجْر بنِ عَدِي

أولا : من هو حُجْر بن عدي؟

هو أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حُجْرُ بنُ عَدِيِّ بنِ جَبَلَةَ بنِ عَدِيِّ بنِ رَبِيْعَةَ الكِنْدِيُّ[الظَّاهر أنَّ الصَّواب بالكسر] بْنِ مُعَاوِيَةَ الأَكْرَمِيْنَ بنِ الحَارِثِ بنِ مُعَاوِيَةَ الكِنْدِيُّ الكُوْفِيُّ، وَهُوَ حُجْرُ الخَيْرِ، وَأَبُوْهُ عَدِيُّ الأَدْبَرُ, وَكَانَ قَدْ طُعِنَ مُوَلِّياً، فَسُمِّيَ الأَدْبَرَ.

وهو مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِه، والأكثرُون على أنه من التَّابعين.

فقد نقل الْحَافظُ ابنُ حجر رحمه الله في « الإصابةِ » عن ابن سعد وغيره أنَّهم أثبتوا له الصُّحبة ثم قال:(أمَّا البخاريّ وابنُ أبي حاتم عن أبيه وخليفةُ بنُ خياط وابنُ حبان فذكروه في التَّابعين, وكذا ذكره ابنُ سعد في الطَّبقة الأولى من أهل الكوفة، فإمَّا أن يكون ظنَّه آخر وإمَّا أن يكون ذهل) [الإصابة(2/32-33)].

وهذا يدلُّك على تدليسِ الطَّاعنين ومكرِهم، فقد جزمُوا بصحبةِ حجر بنِ عدي ولم يشيروا إلى الخلاف، والصَّواب أنَّ فيه خلافاً، بل الأقرب أنَّه من ثقاتِ التابعين.

وسبب هذا الجزم هو حرصُهم على إظهار عِظَمِ صنيعِ معاويةَ رضي الله عنه من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى يريدون أن يُظهروا أنَّ الصَّحابة ما كانوا على اتفاقٍ، بل كان بينَهم من العداءِ ما جعلهم يقتُل بعضُهم بعضاً بغيرِ سببٍ ولا تأويل.

وعلى فرض إثبات الصُّحبة له-كما قالوا- لماذا لم يسعهم قول نبي الأمة صلَّى الله عليه وسلَّم-: ( إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا…) [الطبراني في « الكبير »(1427)، وهو في « الصحيحة »(34)].

ولماذا لم يقيموا لإجماع الأمَّة على عدالتِهم وعدمِ الخوضِ فيما شجر بينهم وزنا.

قال النَّووي-رحمه الله-[  في التَّقريب والتَّيسير لمعرفة سنن البشير النذير(92)] : (الصَّحابة كلُّهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم، بإجماع من يعتدُّ به )

وقال ابنُ كثير-رحمه الله-: ( والصَّحابة كلهم عدول عند أهل السُّنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السُّنة النَّبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -رغبة فيما عند الله، من الثَّواب الجزيل، والجزاء الجميل)[الباعث الحثيث (181)].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- :(وَأَمَّا ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» .

وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ العاص وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ هُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَهُمْ فَضَائِلُ وَمَحَاسِنُ.

وَمَا يُحْكَى عَنْهُمْ فكَثِيرٌ مِنْهُ كَذِبٌ، وَالصِّدْقُ مِنْهُ – إنْ كَانُوا فِيهِ مُجْتَهِدِينَ، فَالْمُجْتَهِدُ إذَا أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِن أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَخَطَؤُهُ مغفور لَهُ.

وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ لَهُمْ ذُنُوبًا فَالذُّنُوبُ لَا تُوجِبُ دُخُولَ النَّارِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا انْتَفَتْ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ عَشْرَةٌ: مِنْهَا التَّوْبَةُ، وَمِنْهَا الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْهَا الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ، وَمِنْهَا الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا مَا يُهْدَى لِلْمَيِّتِ مِنْ الثَّوَابِ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ عنهم، وَمِنْهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَمِنْهَا أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ«خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»وَحِينَئِذٍ فَمَنْ جَزَمَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ لَهُ ذنوبًا يَدْخُلُ بِها النَّارَ قَطْعًا فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ لَكَانَ مُبْطِلًا، فَكَيْفَ إذَا قَالَ مَا دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ عَلَى نَقِيضِهِ،فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ بما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ ذَمِّهِمْ أَوْ التَّعَصُّبِ لِبَعْضِهِمْ بِالْبَاطِلِ فَهُوَ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ)[مجموع الفتاوى(4/431-432)].

الردُّ على الشُّبهة الثَّانية

أنّه قتله بسبب تشيعه وولائه لعلي بن أبي طالب ليس غيرُ

هذه هي النُّقطة التي كثُرتْ فيها الأقوال، وسالتْ فيها الأقلام، وهي قولُهم وادِّعاؤُهم: أنَّ جُرمَ وجنايةَ حجرِ بنِ عدِيّ الوحيدةَ هي ولايتُه وحبُّه الكبيرُ لعلي بنِ أبي طالب-رضي الله عنه-، حتى إنَّهم لقَّبوه بـ (شهيد الولاء).

وممَّا ينبغي أن يعلم ولا ينكر هو أنَّ حجر بن عدي كان من المقربين من علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وأمراءه، وهذا أمرٌ محمود، وشرفٌ مرغوب، ولكنَّ الْمَفتونين استغلُّوا هذه الجزئية، مع ما جرى بين علي ومعاوية -رضي الله عن الجميع- ليدَّعُوا ما ادَّعَوْه، وحشدوا -كعادتهم- الأحاديث والآثار الباطلة والقصص الواهية ليثبتوا التُّهمة الشَّنيعة لمعاوية-رضي الله عنه وأرضاه-.

أمَّا ما يخصُّ سبب القتل فإن الَّذي يذكره أهل التَّاريخ والسِّيَر في سبب مقتل حجر بن عدي هو أنَّه –رحمه الله- كان شديد الإنكار على الولاة أمام النَّاس، بل كان يجمع النَّاس على ذلك، حتى أنَّه خرج مرَّة مع جماعةٍ بالسِّلاح ثم رجع.

والقطرةُ التِّي أفاضت الكأس أنَّ زيادَ بنَ أبِيه- أميرَ الكوفة من قِبَل معاوية- خطب خطبةً أطال فيها، فقام حُجْر بنُ عدي في المسجد مناديا بالصَّلاة، فمضى زياد في الخطبة، فما كان من حجر إلاَّ أن حَصَبَهُ هو وأصحابُه بالْحَصا، فكتب زيادٌ إلى معاويةَ ما كان من حُجر، وقد كان حجرٌ يفعل مثل ذلك مع المغيرةَ بنِ شعبةَ والي الكوفة قَبْلَ زياد، فلمَّا أُخِذ إلى معاوية رأى-رضي الله عنه- أنَّ من المصلحة قتلَه.

وسبب تشدُّد معاويةَ في قتل حجر هو محاولة حُجر البغي على الجماعة، وشقّ عصا المسلمين، وذلك يعتبر من السَّعي بالفساد في الأرض، وخصوصاً في الكوفة التِّي خرج منها جزء من أصحاب الفتنة على عثمانَ-رضي الله عنه- فأراد معاويةُ استئْصالَ الفتنةِ بقتلِ حجر، وهذا يعدُّ من السِّياسة الشَّرعية، خاصَّة من رجلٍ يُوصف بأنَّه من دُهاة العرب([1]).

ومعلوم أنَّ التَّعزير من الإمام قد يصل إلى القتل إذا كانت المصلحة في ذلك، وهذا هو مذهبُ واختيارُ جمعٍ من أهل العلم, يقول ابن القيم-رحمه الله- مبينا مذاهب العلماء في التَّعزير بالقتل: (وَأَبْعَدُ الْأَئِمَّةِ مِنْ التَّعْزِيرِ بِالْقَتْلِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيُجَوِّزُ التَّعْزِيرَ بِهِ لِلْمَصْلَحَةِ، كَقَتْلِ الْمُكْثِرِ مِنْ اللِّوَاطِ، وَقَتْلِ الْقَاتِلِ بِالْمُثْقَلِ.

وَمَالِكٌ: يَرَى تَعْزِيرَ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ بِالْقَتْلِ، وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَيَرَى أَيْضًا هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: قَتْلَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدْعَةِ )[الطرق الحكمية(224)].
ويقول ابنُ فرحون المالكي-رحمه الله-: ( وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجَاوِزَ الْحُدُودَ فِي التَّعْزِيرِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِالتَّعْزِيرِ الْقَتْلَ أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَعِنْدَنَا يَجُوزُ قَتْلُ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ يَتَجَسَّسُ بِالْعَدُوِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا الدَّاعِيَةُ إلَى الْبِدْعَةِ الْمُفَرِّقُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَقَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَتْلِ الدَّاعِيَةِ كَالْجَهْمِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَزُولُ فَسَادُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ)[تبصرة الحكام(2/297)].

ويقول ابنُ عابدين الحنفي-رحمه الله-[حاشية ابن عابدين(4/243)].: ( وَالْمُبْتَدِعُ لَوْ لَهُ دَلَالَةٌ وَدَعْوَةٌ لِلنَّاسِ إلَى بِدْعَتِهِ وَيَتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنْ يَنْشُرَ الْبِدْعَةَ – وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ – جَازَ لِلسُّلْطَانِ قَتْلُهُ سِيَاسَةً وَزَجْرًا، لِأَنَّ فَسَادَهُ أَعْلَى وَأَعَمُّ حَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الدِّينِ. وَالْبِدْعَةُ لَوْ كَانَتْ كُفْرًا يُبَاحُ قَتْلُ أَصْحَابِهَا عَامًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ كُفْرًا يُقْتَلُ مُعَلِّمُهُمْ وَرَئِيسُهُمْ زَجْرًا وَامْتِنَاعًا) .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: (وَمَنْ لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ، مِثْلَ الْمُفَرِّقِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ فِي الدِّينِ، قَالَ تَعَالَى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((إذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا)) وَقَالَ: ((مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَأَحَدٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ)). ((وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ رَجُلٍ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ))، ((وَسَأَلَهُ ابْنُ الديلمي عَمَّنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهَا فَاقْتُلُوهُ))، فَلِهَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد إلَى جَوَازِ قَتْلِ الْجَاسُوسِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى قَتْلِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ)[مجموع الفتاوى(28/108-109)].

قال الذَّهبي-رحمه الله- [سير أعلام النبلاء(3/463)] في ترجمة حجر بن عدي: (كَانَ شَرِيفاً، أَمِيْراً مُطَاعاً، أَمَّاراً بِالمَعْرُوفِ، مُقْدِماً عَلَى الإِنْكَارِ؛ مِنْ شِيْعَةِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – شَهِدَ صِفِّيْنَ أَمِيْراً، وَكَانَ ذَا صَلاَحٍ وَتَعَبُّدٍ.

قِيْلَ: كَذَّبَ زِيَادَ بنَ أَبِيْهِ مُتَوَلِّي العِرَاقِ وَهُوَ يَخْطُبُ، وَحَصَبَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَكَتَبَ فِيْهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ.

فَعَسْكَرَ حُجْرٌ فِي ثَلاَثَةِ آلاَفٍ بِالسِّلاَحِ، وَخَرَجَ عَنِ الكُوْفَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، وَقَعَدَ، فَخَافَ زِيَادٌ مِنْ ثَوْرَتِهِ ثَانِياً، فَبَعَثَ بِهِ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ) .

وقال محبُّ الدِّين الْخَطِيب-رحمه الله-[العواصم من القواصم(212)]. ملخصًا الكلامَ حول هذِه الْمَسألة: (حجر بن عدي الكندي عدَّه البخاري وآخرون من التابعين. وعده البعض الآخر من الصحابة. وكان من شيعة علي في الجمل وصفين. وروى ابن سيرين أن زيادا – وهو أمير الكوفة – خطب خطبة أطال فيها، فنادى حجر بن عدي  » الصلاة!  » فمضى زياد في خطبته، فحصبه حجر وحصبه آخرون معه. فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على أميره في بيت الله، وعد ذلك من الفساد في الأرض. فكتب معاوية إلى زياد أن سرح به إلي… فلما جيء به إلى معاوية أمر بقتله.

فالذين يريدون أنَّ معاوية قتله بحق يقولون: ما من حكومة في الدُّنيا تعاقب بأقلَّ من ذلك من يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعا بعاطفة الحزبية والتشيع. والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته من الحلم وسعة الصدر لمخالفيه. ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة من دمائها وسمعتها وسلامة قلوبها ومواقف جهادها تضحيات غالية كانت في غنى عنها لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب. وكما كانت عائشة تود لو أن معاوية شمل حجرا بسعة صدره، فإن عبد الله بن عمر كان يتمنى مثل ذلك. والواقع أن معاوية كان فيه من حلم عثمان وسجاياه، إلا أنه في مواقف الحكم كان يتبصر في عاقبة عثمان وما جر إليه تمادي الذين اجترأوا عليه)

ومن عجيب صنيعهم وصريح كذبهم ادعاؤُهم أنَّ سبب حصب حجر وأصحابه لزياد أثناء خطبته هو شتمه لعلي -رضي الله عنه- وسبّه في خطبته، وهم كعادتهم يستدلون بآثار أسانيدها واهية أو لا أسانيد لها أصلا.

والأقبح من هذا قولهم بأن معاوية-رضي الله عنه- كان يأمر ولاته بسب علي وآله ولعنهم فوق المنابر، ودون إثبات هذا خرط القتاد، بل الثابت عنه-رضي الله عنه- التصريح بفضلهم ومنزلتهم.

أما ما يذكره بعض المؤرخين من الرِّوايات فلا يلتفت إليه لأنَّهم أوردوها بأسانيد واهية وأغلبها من روايات الشِّيعة الرَّوافض، وعذرهم أنَّهم أوردوها بأسانيدها، ومن أبرز هؤلاء المؤرخين الطبري –رحمه الله- الذي يقول في مقدمة تاريخه:

( فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصِّحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا)[تاريخ الطبري(1/8)].

وقد عقد الآجري-رحمه الله- في كتابه العظيم الشريعة بابا بعنوان: (بَابُ ذِكْرِ تَعْظِيمِ مُعَاوِيَةَ لِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِكْرَامِهِ إِيَّاهُمْ) وأورد تحته عدة أحاديث تدل على حسن صنيع معاوية-رضي الله عنه- مع أهل البيت، ومما أورده فيه:

-ما أخرجه بسنده الصحيح(1959) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِذَا لَقِيَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, قَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَهْلًا, وَيَأْمُرُ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ، وَيَلْقَى ابْنَ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَيَقُولُ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَابْنِ حَوَارِيِّهِ وَيَأْمُرُ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ.

– وما أخرجه بسنده الحسن(1961)عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ فَضْلٌ عَلَى يَزِيدَ إِلَّا أَنَّ أُمَّكَ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَأُمَّهُ امْرَأَةٌ مِنْ كَلْبٍ لَكَانَ لَكَ عَلَيْهِ فَضْلٌ, فَكَيْفَ وَأُمُّكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟.

الردُّ على الشُّبهة الثَّالثة

أنَّ النَّبي-صلّى الله عليه وسلّم- قد شهد لحجر بن عدي ومن قُتِل معه بالخير وبظلم قاتلهم

والجواب أنَّ هذا الحديث المستشهد به لذلك ضعيف لا يصحُّ، وهو ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ(3/320)، ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة(6/457) وابن عساكر في تاريخ دمشق(12/226) قال: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، قَالَ: دَخَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى قَتْلِ أَهْلِ عَذْرَاءَ: حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي رَأَيْتُ قَتْلَهُمْ صَلَاحًا لِلْأُمَّةِ، وَإِنَّ بَقَاءَهُمْ فَسَادٌ لِلْأُمَّةِ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:

(سَيُقْتَلُ بِعَذْرَاءَ نَاسٌ يَغْضَبُ اللهُ لَهُمْ، وَأَهْلُ السَّمَاءِ).

قال الألباني-رحمه الله- مخرجا هذا الحديث: (وهذا إسناد ضعيف. رجاله كلهم ثقات، لكنه معضل، فإن أبا الأسود هذا – واسمه: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل – من أتباع التابعين، ولذلك قال ابن كثير عقبه في « البداية » (6/55): « وهذا إسناد ضعيف منقطع ». وبالانقطاع أعله الحافظ أيضاً في ترجمة حجر من « الإصابة ». وأعله الحافظ ابن عساكر بعلة أخرى وهي الوقف، فقال عقبه: « ورواه ابن المبارك عن ابن لهيعة فلم يرفعه ». ثم ساق إسناده إليه عن ابن لهيعة: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال: أن معاوية حج فدخل على عائشة -رضي الله تعالى عنها- فقالت يا معاوية! قتلت حجر بن الأدبر وأصحابه؟! أما والله! لقد بلغني أنه سيقتل بـ (عذراء) سبعة رجال يغضب الله تعالى لهم وأهل السماء. قلت وهذا منقطع أيضاً سعيد بن أبي هلال من أتباع التابعين أيضاً، على أن أحمد وغيره رماه بالاختلاط)[سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة(13/712)(6324)].

وأوردوا كذلك أثرا عن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- أخرجه كذلك سفيان الفسوي في « المعرفة والتاريخ »(3/320)، ومن طريقه البيهقي في « دلائل النبوة »(6/456)، و ابن عساكر في « تاريخ دمشق »(12/227) قال: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زُرَيْرٍ الْغَافِقِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ: (يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ, سَيُقْتَلُ مِنْكُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ بِعَذْرَاءَ, مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ فَقُتِلَ حُجْرٌ وَأَصْحَابُهُ).

قال ابن كثير بعد إيراد هذا الأثر في البداية والنهاية(8/55): (ابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ).

الردُّ على الشُّبهة الرَّابعة
أنَّ الصحابة-رضوان الله عليهم- أنكرُوا على معاوية-رضي الله عنه- وبكوا على فقد حُجْر بن عدي

أغلب ما يذكره الفتَّانون في هذا الباب لا يصلح، غاية ما في الأمر أنَّ عائشة-رضي الله عنها- تمنَّت لو أنَّ معاوية عفا وصفح عن حجر وعامله بحلمه، فأجابها معاوية بأنَّه رأى المصلحة في قتله حقنا للدماء وإخمادا للفتنة.

فقد روى ابن عساكر في « تاريخ دمشق »(12/239) بسنده من طريق الإمام أحمد عن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: (أَقَتَلْتَ حُجْرًا؟) فَقَالَ: (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي وَجَدْتُ قَتْلَ رَجُلٍ فِي صَلَاحِ النَّاسِ خَيْرًا مِنِ اسْتِحْيَائِهِ فِي فَسَادِهِمْ).

فهذا الأثر يبين لك أنَّ معاوية لم يقتل حجرا لهوى أو حبا للقتل, كما يحلو لبعض الجهلة أن يصوِّره، وإنَّما قتله حفاظا على مصلحة المسلمين من الفتنة والفساد.

وأما ما أوردوه من بكاء ابن عمر-رضي الله عنهما- لما سمع بموت حجر بن عدي[2]، فليس فيه ما يقتضي تجريم معاوية بل إنَّما بكى –رحمه الله- لما يقع في الأمُّة من الفتن وقد كان-رضي الله عنه- من أشدِّ الصَّحابة نفورا عنها حتى إنَّه لم يدخل فيما جرى بين علي ومعاوية –رضي الله عن الجميع-.

كما أنه بكى من حبه لحجر بن عدي، فقتل معاوية لحجر من باب التعزير والمصلحة لا يقتضي أنه رجل سوء، فهناك من أقيم عليهم الحدُّ من الصَّحابة ومع ذلك نترضى عنهم ونعتقد محبتهم.

وفي الأخير أختم بكلام قيّم لأبي بكر ابن العربي – رحمه الله – وهو يبين هذه القضية أتم التوضيح، حيث قال-رحمه الله-: ( فإن قيل: قتل حجر بن عدي – وهو من الصَّحابة مشهور بالخير-صبرًا أسيرًا، يقول زياد: وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله، قلنا: علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول قتله ظلمًا، وقائل يقول قتله حقًّا .

فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله: قلنا:الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنَّه بالظلم فعليه الدليل. ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لعن فيه معاوية. وهذه مدينة السَّلام دار خلافة بني العباس – وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على النَّاس – مكتوب على أبواب مساجدها: « خير الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم ».

ولكن حجرًا – فيما يقال – رأى من زياد أمورا منكرة فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا.

وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله. وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين، وما أنتم ودخولكم حيث لا تشعرون، فما لكم لا تسمعون؟).

فو الله إن كلامه الأخير منهج سار عليه أهل السُّنة فنجَوا، وضلَّ عنه المبدِّلون فهلكوا
قال الأوزاعي-رحمه الله-: ( اصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى السُّنَّةِ, وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ, وَقُلْ بِمَا قَالُوا, وَكُفَّ عَمَّا كَفُّوا عَنْهُ, وَاسْلُكْ سَبِيلَ سَلَفِكَ الصَّالِحِ, فَإِنَّهُ يَسَعُكَ مَا وَسِعَهُمْ,… وَلَوْ كَانَ هَذَا خَيْرًا مَا خُصِصْتُمْ بِهِ دُونَ أَسْلَافِكُمْ, فَإِنَّهُ لَمْ يُدَّخَرْ عَنْهُمْ خَيْرٌ خُبِّئَ لَكُمْ دُونَهُمْ لِفَضْلٍ عِنْدَكُمْ, وَهُمْ أَصْحَابُ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ وَبَعْثَهُ فِيهِمْ, وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ, فَقَالَ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29])[شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة(1/174)].

وفي الأخير لا بدَّ أن نتنبه لمسألة مهمة جدا وهي أنَّ معاوية-رضي الله عنه وأرضاه- عالم من علماء المسلمين، له-كما لهم- حقُّ الاجتهاد وهو في ذلك إمَّا: مصيبٌ له أجران، أو مخطئ له أجر الاجتهاد، وعليه فلو سلَّمنا أنَّ معاوية-رضي الله عنه- أخطأ في اجتهاده هذا لما جاز لأحد كائنا من كان أن يتكلم عليه بسوء، أو يجعل ذلك سببا للقدح فيه، ومن عجيب صنيع القوم أنَّهم يبيحون لغير الصَّحابة الاجتهاد في مسائل الدِّين الكبار، ولا ينكرون عليهم اختلافهم، في حين أنَّهم ينكرون على أعلم النَّاس بكلام الله وكلام رسوله-صلى الله عليه وسلم- ذلك.
قال ابن حزم-رحمه الله- وهو يتكلم عن معاوية-رضي الله عنه- واجتهاده : (فَلهُ أجر الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك وَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِيمَا حُرِم من الْإِصَابَة كَسَائِر المخطئين فِي اجتهادهم الَّذين أخبر رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- أَن لَهُم أجرا وَاحِدًا وللمصيب أَجْرَيْنِ.

وَلَا عجبَ أعجبُ مِمَّن يُجِيز الِاجْتِهَاد فِي الدِّمَاء وَفِي الْفروج والأنساب وَالْأَمْوَال والشَّرائع الَّتِي يدان الله بهَا من تَحْرِيم وَإِيجَاب، ويعذر المخطئين فِي ذَلِك، وَيرى ذلك مُبَاحا لليث، وأبي حنيفَة، وَالثَّوْري، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد، وَدَاوُد، وَإِسْحَاق، وَأبي ثَوْر، وَغَيرهم كزفر، وَأبي يُوسُف، وَمُحَمّد بن الْحسن، وَالْحسن بن زِيَاد، وَابْن الْقَاسِم، وَأَشْهَب، وَابْن الْمَاجشون، والمزني، وَغَيرهم، فواحد من هَؤُلَاءِ يُبِيح دم هَذَا الْإِنْسَان، وَآخر مِنْهُم يحرمه، كمن حَارب وَلم يقتل أَو عمل عمل قوم لوط وَغير هَذَا كثير، وَوَاحِد مِنْهُم يُبِيح هَذَا الْفرج، وَآخر مِنْهُم يحرمه، كبكر نَكَحَهَا أَبوهَا وَهِي بَالِغَة عَاقِلَة بِغَيْر إِذْنهَا وَلَا رِضَاهَا وَغير هَذَا كثير، وَكَذَلِكَ فِي الشَّرَائِع والأوامر والأنساب، وَهَكَذَا فعلت الْمُعْتَزلَة بشيوخهم كواصل وَعَمْرو وَسَائِر شيوخهم وفقهائهم، وَهَكَذَا فعلت الْخَوَارِج بفقهائهم ومفتيهم، ثمَّ يضيقون ذَلِك على من لَهُ الصُّحْبَة وَالْفضل وَالْعلم والتقدم وَالِاجْتِهَاد كمعاوية وعمروا وَمن مَعَهُمَا من الصَّحَابَة -رَضِي الله عَنهُم- وَإِنَّمَا اجْتهد فِي مسَائِل دِمَاء كَالَّتِي اجْتهد فِيهَا الْمفْتُون، وَفِي الْمُفْتِينَ من يرى قتل السَّاحر وَفِيهِمْ من لَا يرَاهُ، وَفِيهِمْ من يرى قتل الْحر بِالْعَبدِ، وَفِيهِمْ من يرى قتل الْمُؤمن بالكافر، وَفِيهِمْ من لَا يرَاهُ، فَأَي فرق بَين هَذِه الاجتهادات، واجتهاد مُعَاوِيَة وَعَمْرو وَغَيرهمَا لَوْلَا الْجَهْل والعمى والتخليط بِغَيْر علم)[الفصل في الملل والأهواء والنحل(4/124)].

هذا والله تعالى أعلى وأعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وأصحابه أجمعين
والحمد لله رب العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]انظر: طبقات ابن سعد(6/217) وما بعدها، والاستيعاب(1/329) وما بعدها، وأسد الغابة(1/697) وما بعدها، والإصابة(2/32) وما بعدها.
[2]أخرجه الحاكم في المستدرك(3/532)(5975) عن ابن عون عن نافع عنه، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية(11/242) أنه رواه الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ به.

كتبه الشيخ مصطفى قالية الجزائري ـ حفظه الله تعالى ـ

مصدر المقال من منتديات التصفية والتربية السلفية

Publicités
هل قتل معاوية الصَّحابيَّ حُجْرَ بنَ عَدِي ؟

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s